ويأتي الخليل في المذكّرات على ذِكر مؤتمر وادي الحجير في عام 1920 فيقول إنّ خطبة الإمام عبد الحسين شرف الدين كانت «غاية في إثارة الحماسة الوطنيّة. وقيلَ إنّه هاجم في خطبته موقف المسيحيّين في المنطقة مُندِّداً بتعاونهم مع الإفرنسيّين، وترْكهم صفوف الوطنيّين، ما أثار الحماسة في نفوس المؤتمِرين وحمل رجال العصابتَين (أي جماعة أدهم خنجر وصادق حمزة) بعد أيام على مهاجمة قرية عين إبل المسيحيّة» (ج 1، ص 143). لكنّ والد كاظم الخليل كان حاضراً (مع «جماعته» حسبما ذكر الخليل) فلماذا ينسبُ ما جرى إلى «قيلَ» بدلاً من الاستشهاد بالشهود العيان من أفراد عائلته؟ ويظنّ الخليل أنّ إشاعة الفوضى والجريمة في الجنوب آنذاك كان بدافع من الفرنسيّين «تذرّعاً لتدخّلهم العسكري». نظريّة تقديم الذرائع للمحتلّين والمُستعمرين من خلال مقاومتهم قديمة قِدم الجمهوريّة.
ثم: العودة إلى نصّ خطبة شرف الدين تعطي صورة مُعاكسة لِما وردَ في شهادة الخليل عنها. شرف الدين قال كلاماً معاكساً لِما ينسبه إليه الخليل، إذ قال: «وأخمدوا بالصبر الجميل الفتنة فإنّه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلّا ليُثير الفتنة الطائفيّة ويُشعل الحرب الأهليّة حتى إذا صدق زعْمه وتحقّق حُلمه، استقرَّ في البلاد تعلّه حماية الأقليّات ألا وإنّ النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير، فأحِبّوا لهم ما تحبّون لأنفسكم وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تُحبطون المؤامرة وتُخمدون الفتنة وتُطبّقون تعاليم دينكم وسُنّة نبيّكم».
تقرأ هذا النصّ وتتيقّن أنّ كاظم الخليل ظلمَ الإمام شرف الدين ظُلماً كبيراً. كيف يمكن تشويه كلام شرف الدين إلى هذه الدرجة؟ وهل يمكن أن لا يتأثّر القارئ في هذه الواقعة بالحُكم على مصداقيّة رواية الخليل في مذكّراته؟
ويبدو أنّ حالة من العصيان والتمرّد من قِبل الفلاحين ضدّ آل الخليل نمَت في تلك الحقبة (الاستعمار الفرنسي). وعندما تمَّ توقيف أخيه، عبد الرحمن، بسبب إطلاق نار من قِبله (يلوم الخليل مرافقه)، ثار الفلاحون ووضعوا «أيديهم على أملاكنا كلّها» (ص. 150).
وهذه الحالة من الثوريّة الفلاحيّة تتناقض مع حالة الوئام والمحبّة بين آل الخليل وفلاحيهم والتي يتكرّر وصْفها في الكتاب. والخليل يتّهم الاحتلال الفرنسي بتأليب الفلاحين ضدّهم، لسببٍ ما. لكن: هل يمكن تأليب الفلاحين ضدّهم إذا كانوا راضين عن حياتهم تحت سطوة آل الخليل؟ ووقع آل الخليل في الدَّين واضطرّوا إلى بيع أملاكهم، ويقول إنّ ذلك كان بسبب رفض ممالأة الأجنبي «كما غيرنا» الذي «استفاد وجمع ثروة، ثم ادّعى الوطنيّة والتضحية وتصدّرَ الصفّ الأول بين الوطنيّين، يفاخر ويتباهى» (لعلّه يقصد الخصم، رياض الصلح هنا أو يقصد آل الأسعد).
لكنّ الخليل لا يكتفي بالإدانة السياسيّة، بل يصل به الحنق لإدانة الجماهير برمّتها فيقول: «إني يائسٌ من وعي الجماهير في الشعوب المتخلّفة، وما أكثر ما تجورُ بأحكامها، تتنكّرُ لمَن ضحّى من رجالاتها فتلصق بهم شرَّ التُّهم مع أنهم يكونون قد قضوا حياتهم أو ضحّوا بها في سبيل حريّة بلادهم وجلاء الأجنبي. فكم قرأتُ لبعض الكتبة وسمعتُ لعددٍ من المذيعين وهم يلصقون تُهم الخيانة والعمالة بمن قضوا تحت أعواد المشانق في العهد التركي في سبيل نضالهم الوطني، وبمن قاتلَ وناهضَ المُستعمر الإفرنسي طوال مدّة استعماره ولم يهادِن لحظة واحدة.
لماذا لم يحاول الخليل تفهّم أسباب نقمة الناس في الجنوب على زعامته وزعامة كامل الأسعد؟ ألم يكن هناك ضرورة لإجراء مراجعة ذاتيّة؟
وكم من هؤلاء قد قضى بقية حياته مُلاحَقاً ومُتهَماً ومُشرَّداً لا يُسمَح له أن يطأ بقدمه الأرض التي قاتل من أجلها أعواماً عدة وكم منهم مَن قضى نحبه ولم يُسمح لذويه بدفْنه في وطنه مسقط رأسه. هكذا كانت ولا تزال حال شعوبنا العربيّة التي تتخبّط في لجج المعتقدات المختلفة والمُستوردة والتي لا تمتُّ لبلدهم بصِلة. وهكذا كان شأننا في ظروفٍ كثيرة مررنا بها» (. ص 151).
هنا، يعبّر الكاتب عن آلام شخصيّة لما جرى من ابتعاد بينه وبين الناس الذين انتخبوه للمرّة الأخيرة في 1972. لكن، أليس من السهل على الزعيم أن يُدين الناس عندما يبتعدون عنه ولماذا لا يتساءل عن أسباب اختلاف الناس الشديد مع خياراته السياسيّة؟ كاظم الخليل بقي وفيّاً لكميل شمعون رغم خيارات الأخيرة المتناقضة مع تطلّعات أهل الجنوب: هل كان الخليل يعتقد أنّ شعب الجنوب سيؤيّد شمعون الذي كان متحالفاً مع حلف بغداد ومُعادياً لجمال عبد الناصر ومعارِضاً لإحقاق الحقّ في توزيع المناصب مع المسلمين وفي تلبية مطلب «المشاركة» وراعياً لسعد حدّاد وأنطوان لحد ومتحالفاً —من دون خجل— مع إسرائيل في سنوات الحرب الأهليّة؟ وما هي هذه «العقائد المستوردة» التي يعيّرُ الناس لأنّهم ساروا بها؟ هي كانت القوميّة العربيّة في مرحلة المدّ الناصري، وهي كانت عقائد اليسار في السبعينيّات، وهي كانت العقيدة الدينيّة لحزب الله وعقيدة الصدر لحركة «أمل» في مرحلة لاحقة.
أي إنّ الخليل يريد من أهل الجنوب أن يعتنقوا الشمعونيّة التي وحدها بنظره هي العقيدة النابعة عن الوطنيّة. لكن: لقد نُشرَ الكثير عن الحرب الأهليّة وعن خفاياها وعن العلاقة بين شمعون وإسرائيل (وهي بدأت في الحرب الأهليّة في 1958)، ألم يكن مناسباً للخليل أن يتفهّم أسباب ابتعاد الناس عنه ونبْذهم لعقيدة «الأحرار» و«الكتائب»؟ إسرائيل والشاه ودول الغرب والخليج رعوا الحزبَين، فلا يجعل ذلك من عقيدتهم هم عقيدةً مستوردةً؟ لماذا لم يحاول الخليل تفهّم أسباب نقمة الناس في الجنوب على زعامته وزعامة كامل الأسعد؟ ألم يكن هناك ضرورة لإجراء مراجعة ذاتيّة؟ أذكر في مقابلة لي مع أنطوان نجم (مُنظّر بشير الجميل ومُرشده الأوّل، والمعروف في كتاباته قبل الحرب باسم «أمين ناجي») عندما كنتُ تلميذاً في الجامعة أعدُّ بحثاً أنّه تحدّثَ معي عن لبناني مسلم سنّي (من آل طبّارة) انضمَّ إلى حزب الكتائب، ثم أُحرقَ منزله في البسطة في عام 1958.
في نظره، كان ابن طبّارة هذا على حقّ وكان كلُّ المسلمين الآخرين على خطأ في رفْضهم الانضواء في حزب الكتائب اللّبنانيّة. لماذا يكون كاظم الخليل في انتمائه إلى حزب شمعون على حقّ ويكون كلّ الشيعة في الجنوب على خطأ؟ أليس هناك احتمال، ولو بسيط، أن تكون الأقليّة الصغيرة —أي الشماعنة من الشيعة— هي التي ارتكبت خطأً تاريخيّاً؟ إنّ انهيار كلّ الزعامات الشيعيّة التقليديّة في الجنوب وفشل كلّ محاولات إحيائها (رغم دعم خارجي خليجي وغربي)، خلافاً لزعامات مارونيّة وسنيّة عادت وانطلقت من جديد، دليلٌ على نفور الجمهور من خياراتها التاريخية، هذا سيتوضّح في الفصول اللّاحقة من مذكّرات كاظم الخليل. أمّا عن وصف الخليل للجماهير بـ«المتخلّفة» فهذا ينمّ عن استبطان لعقليّة الرجل الأبيض العنصريّة. ما هو المتخلّف في إصرار تلك الجماهير على شعارات العدل الاجتماعي والوحدة العربيّة وصدّ إسرائيل؟
ويقول الخليل إنّ المستشار الفرنسي في صيدا استدعاه إلى مكتبه وحثّه على التعاون وهدّده بتطويل مدّة سجن أخيه، عبد الرحمن (ص. 152). ويتّفق الخليل مع سياسة رياض الصلح في الإصرار على تطمين «الأقليّة المسيحيّة فيه... ووقف سنة 1943 إلى جانب المسيحيّين لتأمين امتيازات لهم في الحُكم». لكنّ هذه الامتيازات تتناقض مع أسس الديموقراطيّة والعيش المشترك وهي أسهمت في تأليب المسلمين واليسار ضدّ نظام الحُكم عشيّة الحرب الأهليّة. وهذه الامتيازات تُلحق إجحافاً كبيراً بالناخبين المسلمين في أيّ نظام انتخابي معمول به. ونكتشف من سردية المؤلّف أنّ رياض الصلح لجأ إلى فرنسا للهروب من... المُستعمِر الفرنسي في لبنان (يقول إنّ المعارضين الفرنسيّين كانوا «يتعاونون مع المعارضة اللّبنانية ويحمون أفرادها في بلادهم» (ص. 164).
وعن معارضة المسلمين للنظام اللّبناني الطائفي المنحاز للموارنة، يقول الخليل: «وكان المسلمون متطرّفين في عدائهم للبنان، وللغُلاة من المسيحيّين في لبنانيّتهم، أمثال إميل إده والدكتور أيّوب ثابت، وللانتداب والمنتدبين» (ص. 177). هل كان من واجب المُسلمين، ومن واجب غيرهم من التقدميّين، عدم معارضة إنشاء وطن طائفي مُرادف لوطن يهودي عنصري في أرض فلسطين؟ يظنّ الخليل أنّ فكرة إنشاء وطن قوميٍّ مسيحي كان يجب أن تجذب المسلمين إليها؟ ثم، كان المسلمون في حينه من دُعاة الوحدة العربيّة ودمْج لبنان في وطن عربي أوسع، ولهذا تحمّسوا للحُكم الفيصلي في دمشق.
ثم: يريد منهم إبداء الودّ نحو إميل إدّه، الذي كان يريد ترحيل المسلمين إلى مكّة؟ إميل إدّه الذي كان مُجاهراً بصهيونيّته وأدلى بشهادات لمصلحة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين؟ هم تطرّفوا في العداء لكيانيّة لبنان كوطنٍ لأنّه عدّهم منذ التأسيس مواطنين ومواطنات درجة ثالثة ورابعة. هنا، يبرز مرّة أخرى، مدى اعتناق كاظم الخليل لفكر الكيانيّة المارونيّة اللّبنانيّة. تشاهد صوره في الستينيّات مع ريمون إده وكميل شمعون وبيار الجميّل، وتتساءَل: ماذا يفعل بينهم وهم يخطّطون للحفاظ على امتيازات طائفيّة خاصّة بطائفتهم ولفصل لبنان عن العالم العربي (المزيد عن مرحلة «الحلف الثلاثي» لاحقاً)؟
ويتحدّث عن صداقة جمعته مع خير الدين الأحدب (ص.182). نعلم الكثير عن الرجل من خلال الوثائق المنشورة (في «المتاهة اللّبنانيّة» وفي غيرها من الوثائق الإسرائيليّة، كما في وثائق الأرشيف الوطني الأميركي في حوزتي). كان الأحدب شديدَ المناصرة للحركة الصهيونيّة حتى قبل تأسيس الكيان. لهذا كان من أوائل المسلمين الذين حازوا ثقة المُستعمِر الفرنسي. والغريب أنّ تصوير الخليل لإميل إده كمعارض للمصالح الفرنسيّة يتعارض مع حقائق التاريخ. هذا رجل فرَضه المستعمر عندما أقصى الساسة المُنتخَبين في 1943 بغية تنصيبه قسراً.
(يتبع)
كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس

![دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر مذكّرات كاظم الخليل [4] دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر مذكّرات كاظم الخليل [4]](uploads/gallery/Albums/2026/21-02-2026/1018ccb377.jpg)